حسن الأمين

192

مستدركات أعيان الشيعة

وكان من رؤساء الأفشاريين الذين التحقوا بالملك محمود اثنان من أشد منافسي نادر وحساده هما « قليج خان » و « إمام قلي » . ولكن سعيهما بنادر عند الملك لم ينفعهما إذ كان الملك معجبا به يرى فيه قائدا عسكريا شجاعا عالي الهمة ، فلم يصغ إلى سعاياتهما . وكان نادر على علم كامل بنواياهما وسعاياتهما فترفق وتلطف في تصرفاته على نحو جنبه الوقوع في شرهما وأبعده عن أذاهما . ومع ذلك اضطر في نهاية الأمر إلى قتلهما بتدبير بلغ فيه غاية المهارة ، ثم فر عائدا إلى « أبيورد » و « كلات » . وقصة ذلك هي أن نادرا تظاهر بأنه لا يعرف شيئا عن نواياهما ، وخدعهما بان صادقهما وأراهما من نفسه الإخلاص والمودة . ثم اقترح عليهما تدبير مؤامرة لإسقاط الملك محمود واستخلاص الحكم من يده لأنفسهم . فطاب لهما هذا الاقتراح واتفقوا على أن يغتالوا الملك ويوقعوا بعسكره في احتفال كان مقررا أن يقام في ميدان سباق الخيل وأن يتسابق فيه نادر والملك محمود . وجعلوا علامة الهجوم أن يمسك نادر عنان حصان محمود . ولكن اتفق أن نادرا لم يستطع أن يمسك العنان حين أراد ذلك فحبطت خطتهم . وظل الملك محمود لا يدري شيئا عن هذه المؤامرة ، وعاد بعد الاحتفال مع حاشيته وعسكره إلى مشهد . حرب الملك محمود ولكن نادرا أيقن بان رفيقيه في المؤامرة لن يظلا ساكتين وأنهما سينتهي بهما الأمر إلى إفشائها لمحمود ومن ثم يتوصلان إلى إهلاك نادر لما يبطنان من حقد عليه وحسد له ، فسعى هو إلى اهلاكهما قبل أن يتمكنا منه . فدعاهما يوما إلى الصيد في مكان قريب من مشهد . وهناك انفرد كل منهم عن الآخر في مطاردتهم للصيد . فما كان من نادر إلا أن تتبعهما ، كلا على حدة ، وقتلهما . ثم فر من هناك إلى « كلات » و « أبيورد » . وهناك أخذ يجمع الرجال والعتاد لمحاربة الملك محمود ، فأجابه جمع كبير أمروه عليهم . أما الملك محمود فبلغ به الغضب مبلغا عظيما حين علم بمقتل الزعيمين الأفشاريين وفرار نادر فبدأ محاربته وقتاله . ولكن نادرا انتصر عليه في أول معركة خاضها قرب بلدة « قوشان » ، فهزم حملته ، وكانت تعد ستة آلاف مقاتل وغنم ذخائرها وعتادها . وتوالت بعد ذلك هجمات الملك محمود عليه في أماكن متعددة فانتصر فيها نادر كلها ، وقضى أيضا على عدة من حركات التمرد قامت في تلك النواحي ، حتى أصبح اسمه يلقي الرعب في قلوب أعدائه . وبقي عليه القضاء على الملك محمود وحكومته في مشهد . ومما يدل على شهامة نادر حادثة وقعت في مجرى إحدى المعارك التي خاضها في قتال المتمردين ، إذ كان يحاصر قلعة تحصن فيها أحد المتمردين من زعماء الأفشاريين . وهي أن قافلة من تجار خوارزم كانت تجتاز تلك النواحي قاصدة إلى مشهد بحراسة رجال موكلين من قبل الملك محمود . فوقع خلاف بينهم وبين رجال القافلة فأغاروا عليها ونهبوها وقتلوا بعض رجالها . فبعث والي خوارزم إلى نادر التماسا يستنجد فيه على المعتدين لاعتقالهم واسترجاع أموال القافلة منهم . فتلقى نادر طلبه بالعطف والأريحية وتعهد له بقضاء حاجته . ثم قام بمطاردة المعتدين حتى اعتقلهم واسترجع أموال القافلة منهم وسلمها إلى أصحابها وبذل ما في وسعه لارضائهم . الاتصال بالشاه طهماسب وحصل أول اتصال بين الشاه طهماسب الصفوي ونادر في سنة 1139 فقد بعث الشاه ، وكان في مازندران ، مندوبا من قبله للتحقق من أوضاع نادر وأحواله ، بعد أن انتشر صيته في الآفاق . فتلقاه نادر بالإكرام والإجلال ، وحسن له أن يقوم الشاه بمهاجمة مشهد واحتلالها واعتقال الملك محمود ، وقال له إنه حاضر لمساعدته . وقد أثرت شخصية نادر في مندوب الشاه تأثيرا عظيما . وبناء على تقريره الذي رفعه إلى الشاه عين الشاه نادرا حاكما على « أبيورد » . فلما أبلغ المندوب مرسوم الشاه إليه طلب من المندوب أن يحمل الشاه على التوجه بقواته إلى خراسان . فعاد المندوب فأبلغه أن الشاه قد تحركت ركابه متوجها إلى مشهد وأنه يرغب في ملاقاته - وكان نادر في طريقه إلى مشهد - فتوقف عن الزحف متهيئا لاستقبال الشاه . فلما وصل التحق به . وحين أصبح من رجال الشاه أبدى غاية الذكاء والحنكة والصبر والتيقظ في إحباط المؤامرات والدسائس والفتن التي كان يدبرها الحساد والمنافسون والانتهازيون لاسقاطه والحيلولة بينه وبين تطلعاته العظيمة ، فنجح نجاحا عجيبا في وقاية نفسه من تلك الشرور التي كان يعج بها ذلك البلاط الفاسد ، وإزاحة حساده ومنافسيه من طريق تقدمه وتفوقه ، حتى أصبح في مدة قصيرة صاحب المقام الأول بين قواد الجيش ومستشار الشاه الخاص . وكان هذا الشاه كأبيه لعبة في أيدي الوزراء والحاكم ، متقلبا ضعيف الرأي ، قد يرفع أحدا إلى أعلى المراتب ثم لا يلبث في نزوة من نزواته أن يرمي به جانبا كشيء مهمل . ولم يكن نادر بمنجى من هذا المصير لولا ما أبداه من دهاء في معاملة هذا الشاه . وآل به الأمر ، بعد أن أزاح من طريقه كل منافسيه ، إلى أن جمع زمام الأمور في يده وجعل الشاه بمعزل عن شؤون الأمر والنهي ، وعهد بالمناصب الحساسة إلى أنصاره وحصل لنفسه على منصب وزير التشريفات ولقب « طهماسب قلي » أي « غلام طهماسب » وهو لقب يعني أنه من أخص خواص الشاه . انكسار محمود واحتلال مشهد وبعد أن خاض معارك رهيبة تجلت فيها شجاعته وعبقريته الحربية على أكمل وجه تمكن من التغلب على الملك محمود ودخل مدينة مشهد مظفرا في 16 ربيع الثاني سنة 1139 . ولما دخل نادر مدينة مشهد أمر بتغشية إيوان مقام الإمام علي الرضا ( ع ) بصفائح الذهب وبناء منارة أخرى تقابل المنارة القديمة وتغشيتها بالذهب ، وذلك وفاء بيمين كان قد حلفها . والتجأ محمود إلى إحدى حجر الإمام الرضا ( ع ) . وأبقى عليه نادر لم يقتله . تغير طهماسب ولكن طهماسب ، في تقلبه وميوعته ونزواته ، لم يلبث أن انقلب على نادر وأخذ يصغي إلى وشايات حساده وينصاع إلى تحريضهم إياه على نادر . وكان مبدأ ذلك أن نادرا بعث رسولا من قبله إلى بلدة « قوشان » ليعقد قرانه على بنت أحد رؤساء الأكراد ، وكان قد خطبها باقتراح من الأكراد ، قبيل احتلال مشهد ، لتكون هذه المصاهرة وسيلة إلى التصالح ورفع اختلافات وثارات كانت بينه وبينهم . ولكن طهماسب كان يريدها لنفسه من قبل ذلك ، فمنع أهلها من تزويجها بنادر . فلما وصل رسول نادر إلى « قوشان »